محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

784

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

ولمّا لم يقف بعض المفسّرين على هذه الدقيقة تأوّل قوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وقوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى على أن قال : فيه إضمار وتقديره ولكنّ البرّ برّ من آمن باللّه ، ولكنّ البرّ برّ من اتّقى ؛ والأبرار الأخيار - عليهم السلام - يقولون : « أمرّوها كما جاءت » وأنتم لا تعرفون أسرار القرآن ، ولا تتعارفون لسان القرآن ، ولو كان معناها ذلك لأنزلها كذلك ؛ فما كان يختلّ به فصاحة وبلاغة ، ولا كان تبتر فيه نظم وبراعة ، وكيف استوى الظلّ والعود أعوج ؟ ! ومن أخذ تفسير القرآن من معادنه عرف أنّ البرّ شخص هو المؤمن ، وأنّ البرّ شخص هو المتّقي ، وأنّ الذكر شخص هو الرسول ، وأنّ البيّنة شخص هو الرسول ، وأنّ رحمة اللّه شخص ، وأنّ نعمة اللّه شخص ؛ والمعاني كيف تتشخّص بأشخاص ؛ والأشخاص كيف تنحلّ إلى المعاني ؛ وثمرات الجنّة إذا نزلت كيف ظهرت بأشخاص ، وأشخاص الدنيا إذا صعدوا كيف اتّحدوا بالمعاني ، وأنت تجد في كتاب اللّه أمثال ذلك كثيرا إذا عرفت اللسان ، وتعرف البيان من أهل البيان . ومن السرّ الكاشف عن الإشكالات كلّها أنّ الشمس والقمر يوازيان القلم واللوح والعقل والنفس من عالم المعقولات ، ويوازيان النبيّ والوصيّ من عالم المحسوسات ، وكما أنّ القلم مؤدّ واللوح قابل ، والعقل كامل والنفس قابل متوجّه إلى كمال ، والعقل بالفعل والنفس أمر بالقوّة ، كذلك الشمس والقمر آيتان آية النهار وآية الليل ، وآية النهار مبصرة أبدا ليس لها مبدأ وكمال ، بل مبدأها كمالها بخلاف آية الليل ؛ لأنّ لها مبدأ وكمالا ، وزيادة ونقصانا ، وكما أنّ النهار أحقّ بالتنزيل والليل أحقّ بالتأويل كان القمر أولى بالوصيّ ، وقد ابتدأ هلالا حين ربّاه النبيّ حتّى امتلأ نورا منه ، وحقّا قال : « أنا من أحمد كالضوء من الضوء » 72 ثم لما صار كاملا بالفعل تاما بالنور صار باب الأبواب ؛ « أنا مدينة العلم وعليّ بابها » 73 ( 323 آ ) والقوم في أسئلتهم ما كانوا يأتون الباب حتّى يفتح لهم كلّ علم قد أشكل عليهم ، بل كانوا يأتون البيوت من ظهورها ؛ فانسدّت عليهم الأبواب ، ودفعوا بالحجاب عن الأسباب ؛ فلم ينالوا برّا ولم يصيروا من الأبرار ، ومن أراد العلم وأتى العلم من بابه صار برّا من الأبرار ؛ فالمتّقي عن إتيان البيوت من ظهورها وأخذ العلوم من غير أهلها هو البرّ ؛ إذ قد تشخص برّا وهو البرّ ؛ إذ قد استوى متّقيا لا يسأل عمّا لا يعنيه ، ولئن سأل سأل الباب ودخل الباب